يستيقظ وادي كاراكاس مع بزوغ فجر مارس/آذار عام ١٧٩٩ تحت غطاء كثيف من الضباب. تفوح في الأجواء رائحة الأرض الرطبة، والقهوة المطحونة حديثًا، ورائحة أخرى أشد وطأة: الخوف.في مقر الإقامة الرئاسية، في قلب المدينة الاستعمارية، تستقبل جدران الحجر الجيري أشعة الشمس الأولى بينما يبدأ العبيد أعمالهم قبل الفجر.المطبخ يعجّ بالحركة والنشاط.

أيادٍ سوداء تحرك أواني نحاسية. يهرسون خضراوات جُلبت من مزارع في الداخل. يُعدّون الفطور، الذي بالكاد يلمسه الرئيس. لا أحد يتحدث أكثر من اللازم. المحادثات همسات متقطعة، نظرات خاطفة، الصمت أثقل من الكلمات.
في الطابق الأول، في أكبر غرفة بالمنزل، ترقد دونا إينيس دي توبار، زوجة الرئيس. تبلغ من العمر 32 عامًا، لكنها تبدو في الخمسين. ينهكها المرض منذ ثمانية أشهر. يتحدث الأطباء عن حمى متقطعة، وتقلبات مزاجية، وكآبة شديدة. لا أحد يذكر الحقيقة الواضحة: إنها تحتضر.
بجانب السرير، تجلس ماريا فيليبا على كرسي خشبي صغير. تبلغ من العمر 23 عامًا. يتناقض لون بشرتها الداكنة بشدة مع ملاءات الكتان البيضاء المستوردة. تمسك يداها الطويلتان القويتان بقطعة قماش مبللة بماء الورد والأعشاب الطبية. تضعها على جبين دونا إينيس المحموم برقة تبدو مستحيلة على من تعرف السوط أيضًا.

وُلدت ماريا فيليبا في مزرعة قصب سكر على مشارف فالنسيا. في الثانية عشرة من عمرها، بيعت لتاجر برتغالي نقلها إلى كاراكاس. وفي السادسة عشرة، أصبحت تحت رعاية الرئيسة، ضمن مجموعة من العبيد المنزليين. والآن، بعد سبع سنوات، هي الشخص الوحيد الذي تثق به دونا إينيس لتخفيف معاناتها.
تفتح المريضة عينيها للحظة.
تحاول شفتاها المتشققتان نطق الكلمات، لكن لا يخرج منها سوى أنين أجش. تقدم لها ماريا فيليبا كوبًا من شاي الزيزفون، وتساعدها على الشرب ببطء، وتميل رأسها بحرص لمنعها من الاختناق. تغمض دونا إينيس عينيها مجددًا. أنفاسها غير منتظمة، وكأن كل نفس يتطلب جهدًا خارقًا.
في تلك اللحظة، انفتح الباب فجأةً ودون سابق إنذار. دخل الرئيس بخطوات ثابتة، مرتدياً معطفاً أزرق داكناً مطرزاً بالذهب، وبنطالاً أبيض، وحذاءً أسود لامعاً من الجلد. ملأ حضوره المكان. كان في الخامسة والأربعين من عمره، بشعر داكن بدأ الشيب يغزو صدغيه، وفكٍّ مربع، وعينين لا تفصحان عن شيء.
كان رجلاً معتاداً على الطاعة المطلقة.
نهضت ماريا فيليبا على الفور، ونظرت إلى أسفل، ثم تراجعت خطوة إلى الوراء. لم ينطق بكلمة. اقترب من السرير، وتأمل زوجته لبضع ثوانٍ، ثم التفت إلى الخادمة. فحصها من رأسها إلى أخمص قدميها. لم تكن هذه المرة الأولى، لكن هذه المرة طالت نظراته. أكثر من اللازم.
يُصفّي الرئيس حلقه، ويتحدث بصوتٍ عميقٍ هادئ. “كيف كانت الليلة؟” “مروعة يا سيدي. كانت تعاني من الحمى حتى الفجر.” يومئ برأسه ببطء. تبقى عيناه مثبتتين عليها. تشعر ماريا فيليبا بثقل تلك النظرة، كما لو كانت يدًا على كتفها. إنها تعرف ما تعنيه. لقد رأتها في رجال بيض آخرين.
لكن هذا الرجل ليس رجلاً عادياً. إنه رئيس الجمهورية، الرجل الذي يقرر من يعيش ومن يموت في فنزويلا. “أحضري لي ماءً عذباً”، أمرها. غادرت ماريا فيليبا الغرفة مسرعة. سارت على أرضية البلاط الباردة، ونزلت الدرج الحلزوني، ووصلت إلى الفناء الداخلي حيث تقع البئر.
قلبها يخفق بشدة. ليس خوفاً بالمعنى الحرفي، بل شيء أسوأ: يقين بأن شيئاً حتمياً على وشك الحدوث. عندما عادت بزجاجة الماء، كان الرئيس لا يزال بجانب السرير، لكنه الآن وضع يده على ظهر الكرسي الذي كانت تجلس عليه. يراقبها وهي تقترب.
قدّمت ماريا فيليبا الزجاجة له. فقبلها، وارتشف رشفة طويلة، ثم وضعها على الطاولة بجانب السرير. بعد ذلك، ودون أن يرفع عينيه عنها، قال: “ستبقين هنا كل ليلة. لا أريد أن تبقى زوجتي وحيدة”. أومأت ماريا فيليبا برأسها. كانت تعلم أن هذا الأمر لا علاقة له بدونا إينيس.
يغادر الرئيس الغرفة. يُغلق الباب بقوة. تجلس ماريا فيليبا مجدداً بجانب المرأة المريضة. ترتجف يداها قليلاً وهي تبلل قطعة القماش بالماء البارد. في الخارج، في الفناء، يواصل المستعبدون العمل. الشمس قد ارتفعت في كبد السماء. تستيقظ المدينة على أصوات العربات والباعة المتجولين وأجراس الكنائس.
لكن في تلك الغرفة، يبدو أن الزمن قد توقف. تدرك ماريا فيليبا أن حياتها قد تغيرت للتو. لا تعرف إلى أي مدى، أو كيف تحديداً، لكنها تعرف. تشعر بذلك في أعماقها، في أنفاسها اللاهثة، في الصمت الذي أصبح أثقل من أي وقت مضى.
في تلك الليلة، بقيت ماريا فيليبا مستيقظة بجانب سرير دونا إينيس. كانت المريضة تنام نوماً مضطرباً، وتئن في أحلامها. ألقت الشموع بظلال طويلة على الجدران. دقت ساعة البندول الساعات بدقات رتيبة. عند منتصف الليل، سمعت وقع أقدام في الردهة.
يتوقفان عند الباب. تحبس ماريا فيليبا أنفاسها. لا يُفتح الباب، لكنها تعلم أنه على الجانب الآخر، ينتظر، يُفكّر، يُقرّر متى ستكون اللحظة المناسبة. تتلاشى خطواته. تُخرج ماريا فيليبا زفيرًا خافتًا. هذه المرة كان الأمر مجرد إعلان، تحذير صامت لما سيحدث. تُغمض عينيها وتُصلّي بهدوء باللغة التي علّمتها إياها جدّتها.
كلماتٌ بالكاد تتذكرها، لكنها لا تزال تُريحها. غدًا يومٌ آخر، وبعده أيضًا. وفي لحظةٍ ما، بين روتين رعاية امرأةٍ تحتضر وخدمة رجلٍ ذي نفوذ، لن يعود جسدها ملكًا لها بالكامل.
مرت خمسة أيام منذ ذلك الصباح. أصبح روتين ماريا فيليبا متوقعاً. الاستيقاظ قبل الفجر، وإعداد الشاي الطبي، وتغيير ملاءات دونا إينيس، وإعطائها مرقاً دافئاً عند تناولها الطعام، ومسح جبينها عندما ترتفع حرارتها، والبقاء وحيدة كل ليلة مع المرأة المريضة وصوت خطوات تقترب لكنها لا تدخل.
حتى هذه الليلة: إنه يوم الجمعة، والمطر يهطل بغزارة. يرتطم الماء بقوة ببلاط الطين، مُحدثًا إيقاعًا ثابتًا يُغطي على كل الأصوات الأخرى. الشموع مُضاءة. دونا إينيس تنام نومًا عميقًا، بفضل جرعة قوية من الأفيون تركها لها الطبيب بعد الظهر.